ابن أبي الحديد

65

شرح نهج البلاغة

ثم ذكر ماهية هذه الرؤية ، قال : إنها رؤية البصيرة ، لا رؤية البصر . ثم شرح ذلك ، فقال : إنه تعالى قريب من الأشياء ، غير ملامس لها ، لأنه ليس بجسم ، وإنما قربه ( 1 ) منها علمه بها ، كما قال تعالى : ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ) ( 2 ) . قوله : ( بعيد منها غير مباين ) ، لأنه أيضا ليس بجسم فلا يطلق عليه البينونة ، وبعده منها هو عبارة عن انتفاء اجتماعه معها ، وذلك كما يصدق على البعيد بالوضع ، يصدق أفضل الصدق على البعيد بالذات الذي لا يصح الوضع والأين أصلا عليه . قوله : ( متكلم بلا روية ) ، الروية : الفكرة يرتئي الانسان بها ليصدر عنه ألفاظ سديدة دالة على مقصده ، والبارئ تعالى متكلم لا بهذا الاعتبار ، بل لأنه إذا أراد تعريف ( خلقه ) ( 3 ) من جهة الحروف والأصوات ، وكان في ذلك مصلحة ولطف لهم ، خلق الأصوات والحروف في جسم جمادى ، فيسمعها من يسمعها ، ويكون ذلك كلامه ، لان المتكلم في اللغة العربية فاعل الكلام لا من حله الكلام . وقد شرحنا هذا في كتبنا الكلامية . قوله : ( مريد بلا همة ) ، أي بلا عزم ، فالعزم عبارة عن إرادة متقدمة للفعل ، تفعل توطينا للنفس على الفعل ، وتمهيدا للإرادة المقارنة له ، وإنما يصح ، ذلك على الجسم الذي يتردد فيها ، تدعوه إليه الدواعي ، فأما العالم لذاته ، فلا يصح ذلك فيه . قوله : ( صانع لا بجارحة ) ، أي لا بعضو ، لأنه ليس بجسم . قوله : ( لطيف لا يوصف بالخفاء ) ، لان العرب إذا قالوا لشئ : إنه لطيف ، أرادوا أنه صغير الحجم ، والبارئ تعالى لطيف لا بهذا الاعتبار بل يطلق باعتبارين

--> ( 1 ) د : ( قربته ) ( 2 ) سورة المجادلة 7 . ( 3 ) زيادة يقتضيها السياق .